Thursday, 3 February 2022

البعير وابن آوى

 

البعير وابن آوى

محمد أويس المصباحي

يحكى أن هناك بعيرا كان يعيش في الصحراء، لقيه ابن آوى مرةً، فصادقه صداقة وثيقة، وأحبه فأحبه، ولازمه طوال الوقت، يأكل معه ويشرب. ذات يوم ساء الطقس حتى لم تمطر السماء لأشهر. فعبر النهر، حيثما كانت قرية صغيرة حقولها ملأى بالخضار؛ إذ يسقيها المزارعون من هذا النهرحتى تخضّرت.

قال ابن آوى للبعير: لا أمل في نزول المطر، وقد أقفرت الحقول، ونحن جوعى، فلنقصد إلى هذه القرية فنأكل البطيخ معا ونشبع بطوننا.

فقال البعير: حسنًا. ليس من الجيد أن نأخذ شيئا من الحقول دون إذن أصحابها، ولكننا في حال المضطر، إذا بقينا هنا هكذا فسنموت من الجوع. فهيا بنا نذهب.

وهكذا عزما على تناول البطيخ من حقل هذه القرية. كان حقل البطيخ على الجانب الآخر من النهر، عندما وصل الاثنان إلى النهر، قال ابن آوى للبعير: أي صديقي! أنت طويل القامة، وسوف تعبر النهر بسهولة، ولكن كيف سأعبره أنا؟

 فقال البعير يطمئنه: لا تقلق يا صديقي! سآخذك على ظهري، لن أتركك وحيدا هنا.

ركب ابن آوى على ظهر البعير، ووصلا النهر مساء. والمساء عالم خاص يختلى فيه كل شخص بنفسه بعد نهار طويل من العمل والاجتهاد. لذلك كان المزارعون عائدين إلى مساكنهم من الحقول في ذلك الوقت، وحينما رأياهم؛ اختبأا خلف الأشجار من أنظارهم، وانتظرا حتى ساد الظلام، فذهبا إلى حقل البطيخ وبدأا في أكله، ولما كانت معدة ابن آوى صغيرة، فسرعان ما امتلأت، وجلس إلى جانب الحقل الذي أجبرته طبيعته على ذلك، وأخذ يصدر أصواتًا بعدما أكل، فتوسل البعير إليه: "لا تفعل هذا يا صديقي، فلم تمتلئ معدتي بعد". فقال ابن آوى: أسرع إذًا! ولكن لم يكن لمعدة البعير أن تمتلأ بهذه السرعة. فبدأ ابن آوى بإصدار صوته مرة أخرى. فقال البعير، لا تفعل يا صديقي لا تفعل! لم أشبع حتى الآن. ولكن ابن آوى لم يسمعه واستمر في الصراخ. ووصل المزارعون بالعصى عندما سمعوا صوته، فهرب ابن آوى واختبأ في الشجيرات، ولكن البعير لم يستطع الهروب، وسقط في أيدي أصحاب الحقول فأثخنوه ضربًا.

ظل البعير تحت الشجرة بجانب النهر طوال الليل من ألم الضرب، ولما أصبح الصباح جاءه ابن آوى.

فقال له البعير: هيا يا صديقي، لنذهب إلى المنزل الآن! ولم يقل شيئًا عما حدث بالأمس.

وعندما وصلا إلى ضفة النهر؛ ركب ابن آوى كعادته على ظهر البعير، حتى وصلا إلى منتصف القناة، فتوقف البعير.

فقال ابن آوى: ما خطبك يا صديقي؟ لماذا توقفت؟

فقال البعير: أريد الغوص في الماء.

فصاح ابن آوى في خوف: لا، لا، يا صديقي! سأغرق بهذه الطريقة.

فقال: إذا لم أستحم بعد تناول الطعام، سأصاب بألم شديد في بطني.

ففهم ابن آوى أن البعير يعاقبه على الأذى الذي أصابه في الحقل من أجله.

فقال وهو يتملكه الخوف: إن أردت الغوص يا صديقي، فأرجو منك أن توصلني إلى ضفة القناة حتى أتمكن من تجنب الغرق.

لكن البعير رفض طلب صاحبه مثل ما رفض صاحبُه طلبَه حينما قال له ألا يرفع صوته في حقل البطيخ. فغطس البعير، ولأن ابن آوى كان صغير الحجم ولا يعرف السباحة؛ غرق بعد بضع الغطسات.

أيها القراء الأعزاء! هناك بعض الناس في حياتنا أيضا مثل ابن آوى. إذا كان لديك صديق مثل هذا، ابتعد عنه. ليس من الجيد خداع أي شخص، تدل هذه القصة الخيالية على أننا إذا خدعنا شخصًا ما اليوم، فغدًا يمكن لشخص ما أن يخدعنا كذلك. ولذلك يقال: "كما تدين تدان".

يحسن لنا أن يعامل بعضُنا بعضًا معاملة حسنة. بهذه الطريقة يضع الله محبتنا في قلوب الآخرين. إخواني الكرام! إن كل إساءة تقابل بالإحسان سوف يكون لها الأثر الطيب في محو أثرها، ومعالجة ما أحدثته من صدع وجفاء، ومن أجل ذلك وجه رب العزة عباده إلى اتباع السيئة بالحسنة، فقال تعالى: "ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةََ"، (القرآن الكريم، سورة المؤمنون، رقم الآية:96) وقال أيضًا:"ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ".  (سورة فصلت، رقم الآية:34)

أي أنك إن أحسنت إلى من أساء إليك قادته تلك الحسنة إلى مصافاتك ومحبتك حتى يصير كأنه ولي لك، حميمٌ: أي قريب إليك من الشفقة عليك والإحسان إليك.

ومقابلة السيئة بالحسنة مرتبة عظيمة لا يرتقي إليها من عباد الله إلا من امتلك زمام نفسه وقسرها على ذلك؛ إذ فيه خيره وسعادته في الآجلة والعاجلة، وصلاح مجتمعه.

No comments:

Post a Comment